انا صيدلي قديم، (مش قوي يعني)
مارست مهنة الصيدلة حتى قبل ان اتخرج
واستمريت في العمل كصيدلي لسنين طويلة حتى اصبحت انا صاحب صيدلية
ولكني الآن ابتعد عن هذه المهنة
انا الآن اعمل محلل فني لأسواق المال والبورصات العالمية،
والغريب انني لست انا فقط الذي تخلي عن مجال تخصصه -الذي قضي سنين من عمره صاحبها مجهود ليس بالقليل على اي حال من الأحوال- بل الكثيرين من اصدقائي وممن اعرفهم معرفة شخصية قد ترك مهنة الصيدلة الآن بل وتخلى عنها بلا اي تردد او ندم.
احد اقرب اصدقائي يعمل الآن في جريدة هامة بعد ان احترف الادب والكتابة، وزميلة اخري تعمل في مجال التسويق بعيدا عن الادوية تماما، واحدهم يعمل في احد شركات التأمين على الحياة ليس بصفة صيدلي، واخر يعمل في المقاولات، البعض سافر للخارج اوتقدم بطلبات الهجرة وهو لم يكن محتاجاً او راغباً في هذا، لي صديق اخر استطاع ان يبقي على صيدليته ولكن اهتمامه الأساسي هو الاستثمار في البورصة (وهو ناجح في هذا).
هنا بدأت اسأل نفسي: ما الذي حدث لكل هؤلاء؟ كنت اعتبر نفسي مختلفاً ولكن ... الجميع يهجرون الصيدلة.
نعم انها مهنتنا الأساسية ومجال تخصصنا الذي درسنا به سنوات طويلة وقضينا الساعات الطوال بالمعامل ، سواء معامل الكيمياء المختلفة (كيمياء عضوية وغير عضوية، كيمياء تحليلية، كيمياء حيوية، كيمياء صيدلانية ... الخ) لو معامل السموم والصيدلانيات، معامل النبات والحيوان، معامل الفارماكولوجي والفيتوكيمستري(مش عارف اترجمها دي) ...... بعض المعامل مملوء بالابخرة الضارة والبعض نتعامل به مع مواد حارقة وكاوية. اذكر عندما كنا نقف على ارجلنا احد عشرة ساعة متصلة حين موعد معمل الصيدلانيات (5ساعات) ويليه مباشرة معمل الكيمياء التحليلية (6ساعات)، البعض من زملائنا تضرر بصره من كثرة استعمال الميكروسكوب بالاضافة لأجهاد المذاكرة بالطبع، والبعض اصيب بالحساسية،والبعض اصيب بنوبات ذعر عندما اضطر ان يمسك الفأر لأول مرة في حياته، البعض اصيب بحروق بسيطة، وجميعنا خسرنا بعض ملابسنا عندما تحدث بها بقع غير قابلة للتنظيف.جميعنا تحمل كل هذا بسعادة المغامر والمستكشف، نتباهى بالضرر الذي لحق بنا ونضحك شاعرين بالفخر اننا نقوم باشياء صعبة ولا يعرفها اغلب الناس..، فما الذي حدث؟!!! ماذا تغير ؟!!! لماذ الجميع يهجرون الصيدلة؟!!!
لكي اجيب عن هذا السؤال "من وجهة نظري طبعاً" سوف اضطر لقول ما لا يجب قوله، نعم ما سوف اقوله الآن لا يجب ان يقال ولكني لا استطيع. فالسبب الحقيقي في هذا هو ان مهنة الصيدلة اصبحت مهنة غير محترمة، نعم هذا ما قلته للتو. والمحترمون لا يستطيعون الاستمرار في مهنة غير محترمة. انا طبعا احفظ تلك العبارات الرنانة وكثيرا ما استخدمتها مثل: الصيدلي مثل الطبيب يقوم بخدمة جليلة للبشرية، وان الصيدلي عنده من العلم ما يفيد به الناس.... الى اخره من الجمل المكررة ولكن اليكم الحقيقة: كل ده كلام فاضي مالوش اي معني. لو انت صيدلي هاتفهم كلامي ، ولو انت مش صيدلي هاتفهم كلامي اكتر.
ليست مهنة الصيلة فقط هي من تعرضت للابتذال، فمهنة التدريس والمحاماه، وغيرهم من المهن التي كانت محترمة سابقاً اصبحت الآن مهنة غير محترمة، ولكن الصيدلي تعب كتير قوي علشان يبقى صيدلي، مش بس في الكلية، لكن طول عمره مدعوك في المذاكرة، ما استمتعش بالحياة مثل باقي زملائة، واخد الحياة جد زياده عن اللزوم، واهله فرحانين بيه ومتعشمين ومعشمينه بحياة هي اقرب الى الرقي ذاته... فاذا به يصطدم بما الت اليه هذه المهنة وما يجب ان يكونه لكي ينجح ويستمر بها... وهنا يبدأ بحثه عن هذا الزرار السحري

في محاولة منه للخروج من الأزمة النفسية التي وجد نفسه فيها،
يتمنى لو وجد\ هذا الزرار لحياته المهنية ليخرج من تلك الساقية المربوط فيها لكي يدور بلا نهاية.
هناك من وجد الزر، وهناك من يبحث عنه حتى الآن، جميعنا لن يتردد في الضغط عليه لأنهاء كل شئ في لحظة والبدء من جديد.
كان معكم اخوكم الباحث عن الزر... صيدلي قديم







