ارى ان اساتذة علم الاجتماع المحبوسين داخل
الجامعة غير قادرين على رؤية المجتمع على حقيقته، حتى الباحث الذي يختار عينة من
الناس ويسألهم اسئلة محددة تتعلق بموضوع معين غالبا لا يتلقى اجابات صريحة،
فالبسطاء غالبا يتخوفون من الاستجوابات بهذه الطريقة ويميلون لاعطاء اجابات
نموذجية اكثر منها اجابات حقيقية، اما اكثر الاشخاص قدرة على رصد المجتمع في رأيي
هم سائقو التاكسي والصيادلة.
صحيح ان سائق التاكسي يتعامل مع شريحة اكبر
من الناس وعلى مساحة جغرافية اكبر والشخص يجلس مع سائق التاكسي فترة اطول، الا ان
بعض الناس لا تحب الحديث مع سائق التاكسي, حيث يرون ذلك تطفل او البعض يستخفون به
(وهم بالتأكيد مخطئون في ذلك). وايضا منذ فترة لاحظت ان معظم سائقي التاكسي يبدأ
حديث معين بهدف زيادة الاجرة لا اكثر ولا اقل كأن يعرض عليك مشاكله المادية او
يحكي عن بعض الزبائن المحترمين جدا الذين دفعوا مبلغ كبير ورفضوا اخذ الباقي (يعني
بيقولك خليك محترم واعمل زيهم)، او مصاريف التاكسي الكثيرو من اصلاحات وابتزاز
امناء الشرطة.... (وهي فعلا مصاريف كثيرة). لذلك اصبح كثير من الناس تتجنب الحديث
مع سائق التاكسي.
اما الصيدلي: فهو شخص محترم متواجد دائما
داخل الصيدلية يسمع للجميع ويشارك الرأي مع الجميع. ولا اعرف السبب الحقيقي وراء
ارتياح الناس في الحديث مع الصيدلي. فكنت وانا في الصيدلية مع كل زبون يدخل ليشتري
شئ قل او كثر دائما ما يبدأ حديث اما سياسي او اقتصادي او مشاكل نفسية .....الخ
فبدون مناسبة اجد نفسي اتحدث مع شخص عن ايجارات الشقق وكيف ارتفعت في المنطقة، او الحفر
الذي يجري في الشارع ولماذا تركوه بدون ردم، او ازمة المرور وان بقالة 3 ساعات في
الطريق وكيف ان هذه اصبحت مشكلة عامة، او انه يفكر في ترك محل سكنه في هذه المنطقة
نظرا للمشاكل الكثيرة بها ويريد شقة في مكان اخر. او النشرة الاخبارية وما جاء بها
من اخبار، او غلو اسعار السلع، او المشاكل والاحداث السياسية. كل هذا بالاضافة
للاحاديث عن المشاكل الشخصية التي تبدأ بالمشاكل الصحية ثم السؤال عن الجديد في
المقويات الجنسية، ثم مشاكل الاسرة والاولاد....الخ الخ. ومن الغريب ان الشخص قد
يكون اشترى عدة اشياء قبل مجيئه للصيدلية ولكنه لم يبدأ حديث مثل هذا مع صاحب
السوبرماركت او محل تنظبف الملابس او الفكهاني.
لذلك اري ان الصيدلي فعلا افضل خبير باحوال
المجتمع، فدخول الصيدلية دائما مجاني، والاحاديث ايضا مجانية، والناس تستطيع ان
تقول رأيها بصراحة اي كانت توجهاتها, والصيدلي يسمع للجميع ويشارك الجميع ، ويعطي
رأيه ايضأ في كثير من الامور، كل هذا بالاضافة الي الاستشارة الطبية المجانية،
والاستماع للمشاكل النفسية. فالمرأة المسكينة التي تشاجرت مع زوجها واهانها امام
اولادها فبدأت تشعر بآلام الرأس والظهر، تتوجه فوراً للصيدلي تحكي له وتفضفض
وتشتكي من زوجها وبالمرة تشتري شريط مسكن. والرجل الذي حدثت معه مشاجرة في العمل
او في الطريق يأتي اولا للصيدلي ليحكي له وبالمرة يشتري حباية للصداع.
اجهزة الدولة ادركت هذا منذ فترة، وكان سبب
في قيامها بحرب شديدة ضد الصيادلة جعلت مهنة الصيدلة ينفر منها كل من يعمل بها, بل
وقادت حرب اعلامية سيئة لتشكيك الناس في مصداقية الصيدلي، فبدأنا نسمع كلمة مش
عايز البديل واوعي تديني بديل وبص على تاريخ الصلاحية...، (انا الآن اعمل في دولة
عربية ولا يوجد مصطلح البديل ده، فاصرف الروشتة واقول للشخص الدواء ده شركة مختلفة
عن اللي مكتوب فياخذه من سكات ويقولي انت ادرى). لدرجة ان في احد السنين قادت
وزارة الصحة حملة ضد الصيادلة الذين يقيسون الضغط والسكر في الصيدلية وتحرير محاضر
لهم (جهاز السكر والضغط الالكتروني مصمم لكي يتابع الشخص نفسه في المنزل ويقيس
لنفسه، افلا يستطيع الصيدلي ان يقوم بذلك؟). ولكنها فقط استطاعت الاستفادة من هذه
الميزة في مجال واحد .. فحملات تنظيم الاسرة بعد ان فشلت حملة تلو الاخرى نجحت فقط
عندما اشترك فيها الصيدلي، ولأول واخر مرة منذ زمن طويل نسمع جملة اسأل استشر
الصيدلي والطبيب.
الجميل ان الناس مش بس بتسال الصيدلي لكن
كمان بتشاركه في كل مشاكل حياتها الصحية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية
والسياسية وحتى المشاكل بين الدول وبعضها فمش هانلاقي افضل من كده باحث وعالم
اجتماعي في الدنيا.
تحياتي لكل صيادلة مصر.



