حدثت هذه القصة منذ عام تقريبا، وهي عبارة عن حالة سيدة كانت تتردد على الصيدلية وكنت اعرفها جيدا واتابع حالتها عن قرب.
كانت تثق في وتحكي لي عن تفاصيل مشاكلها وتمنيت لو لم اعرف هذه المشاكل لأنها ماذالت تؤرقني حتى الآن.
بدأت تلك المشكلة عندما علمت المرأة انها حامل في طفل جديد بينما طفلها الأول مازال صغيرا جدا، لم يتم فطامه. في البداية شعرت بسعادة لأن ذلك قد يسعد زوجها -وهو بالفعل كان سعيداً- ولكن بعد فترة قصيرة جداً انقلب حالها رأساً على عقب واصبحت رافضة لهذا الحمل جملة وتفصيلاً وكأن جميع مشاكل الدنيا سببها هو ذلك الطفل الذي لم يتكون بعد.
عندما تشعر بأي آلام جسدية فإن السبب هو ذلك الحمل غير المرغوب فيه "مع انها تعاني تلك الآلام حتى قبل الحمل" ولكنها تتمنى موت الطفل لكي ترتاح من آلامها.
عندما تشعر بضائقة مالية تلوم على ذلك الطفل المسكين الذي لم تكن تعرف حتى هو ذكر ام انثى، وتفكر كيف انه سيتسبب في عبئ اضافي على ميزالنية الأسرة، وتتمنى اكثر موته انقاذاً للميزانية.
كانت تفكر في عملها وكيف انها لن تستطيع العمل وهي تحمل طفل رضيع بالأضافة الى طفلها الأول وكيف سيؤثر هذا على مستقبلها وطموحها واحلامها المستقبلية... فتتمنى اكثر واكثر موت هذا الطفل البرئ.
كانت تفكر في عدم قدرتها على تربية طفلين وكيف انها ستقصر في تربية الطفل الأول "فطامه قبل الميعاد مثلاً" وتعليمه وما الى ذلك بسبب الطفل الجديد فتتمنى موت ابنها الثاني حتى لا تقصر في تربية الأول.
كانت تفكر في انها تسكن بعيدة عن امها ولن تجد من يساعدها في تربية الأطفال كما كانت تتمنى ان يحدث.
كانت تفكر في زوجها الذي احب الطفل الجديد على انه لا يهتم بما تشعر به فكانت تتمنى الموت لنفسها ولطفلها ايضا.\
كان يكدرني كل ما سبق بالقدر الكبير، في البداية اعتبرته نوع من اكتئاب فترة الحمل وتصاب به 10%تقريباً من السيدات الحوامل و اعراضة كالآتي: 1-عدم القدرة على التركيز 2-القلق 3-النزق والانفعالية الشديدة 4-مشاكل في النوم 5-التعب الشديد أو الإرهاق المستمر 6-الرغبة الدائمة في تناول الطعام، أو عدم الرغبة في تناوله مطلقاً 7-الإحساس بخسارة المتعة في كل شيء 8-الحزن المتواصل.
ما كان يكدرني بالأكثر مع هذه السيدة هي مجاهرتها في كل وقت بكراهيتها لهذا الطفل، وبعدم رغبتها فيه، وانها تتمنى موته.
كانت تتحدث بهذا الكلام حتى لزوجها وكانت تكرره كثيراً، كانت تهمل تعليمات الطبيب عمداً، وعندما انصحها بضرورة تناول الاقراص والفيتامينات الموصوفة لها كانت تجيبني بأستهتار: "يعني هايجرا ايه يعني؟ هايموت؟ يكون احسن"
عندما بحثت ووجدت ان الرغبة في الموت والرغبة في موت الطفل ليست من اعراض اكتآب فترة الحمل شعرت بان هناك سر اخر لا تتكلم عنه.
تحدثت معها كثيراً في محاولة لمساعدتها على تخطي هذه المرحلة، او لمساعدة نفسي على فهم هذه المرحلة ايضاً حتى اكتشفت ما اعتقد انه السبب الحقيقي لهذا الأكتآب المبالغ فيه ووجدت مفاجئة...
كان السبب هو تأثرها الشديد بكلام اسرتها واصدقائها المقربين واخوتها، تقريباً كانت تتوقع تعليق كل واحد منهم وتهرب منه ،
" انتوا مستعجلين على ايه؟ انتو مش بتضيعوا وقت؟ حرام عليكوا الواد لسه صغير. انتوا مافيكوش مخ تفكروا؟ انتوا مش شايفين الظروف؟ ليه تزنقوا نفسكم كده؟ طب هاتعملي ايه في شغلك؟ طب هاتعملي ايه مع الواد الأولاني ..دا كده هايتعبك قوي وهايغير........" وما الى ذلك من تعليقات يشعر صاحبها انه الوحيد الذي يرى الصورة كاملة
وهكذا كل من يسمع الخبر يديها كلمتين تأنيب .. مما اكد لها انها اقترفت خطأ كبير وجميع من تحبهم وتخافهم ينظرون لها الآن نظرة المجرم او انها وزوجها قد غلَبوا صوت رغباتهم الجنسية على صوت العقل وحتى في هذا لم يتخذوا التدابير اللازمة،
زاد حزنها اكثر على ما اعتقد عندما عرفت ان المولود بنت "متأثرة بكلمات حماتها طبعا عن ان الاولاد افضل بكثير من البنات"
كذبت نفسي كثيرا في البداية، فليس من المعقول ان تكون كل هذه الأعراض الصعبة جداً سببها فقط الخوف من تأنيب الأهل والأصدقاء، ولكن هذه كانت الحقيقة. مازلت حتى الآن لا استوعبها ولكنها كانت الحقيقة. ماذلت افكر في هذه الحالة بيني وبين نفسي بلا جدوى.
ايمكن ان يؤدي الخوف من نظرة الأقارب وتأنيبهم ضغط قوي الى هذه الدرجة حتى ان ام تكاد تسقط نفسها "تجنباً لكلام الناس" ولا ينقذ الطفلة المسكينة الا اسمها، نعم اسمها هو الذي انقذها ولكن هذه قصة اخرى.
في الحقيقة بعد الولادة تغيرت نظرة الأم للطفلة تماماً، احبتها حباً شديداً لدرجة لا تتصور ان تبعد عنها لحظة.
لا اعرف حتى الآن سبب هذا التغير المفاجئ!!! هل هي غريزة الأمومة؟ ام لأنها اكتشفت ان مخاوفها لم تكن حقيقية، ولم يكرهها اخوتها لعدم سماعها نصيحتهم؟!!! ستظل اسئلة كثيرة تحيرني، ليتني كنت بارع في التحليل النفسي بدلا من كل هذه الحيرة مع كثير من الحالات التي اقابلها.

